تفاعلا مع الشغب المفتعل حول مصير والدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.. مقاربة أصولية لتحقيق الفهم السديد لمسائل الولاء والبراء

كتب – مصطفى اعتاني

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله. وبعد:
فإن الخوض في شأن والدي سيد الخلق صلى الله عليه وسلم قد صار عند قوم (لا يستحقون أن نذكرهم) مزلقا للأقدام، ومظنة لفساد المنهج قبل فساد المقال؛ إذ ليس النزاع في ثبوت النصوص، ولكن في طرائق فهمها، ومواقع تنزيلها، ومآلات القول بها…

أبدأ بأقوال للإمام الشاطبي الأصولي رحمه الله، يقول: ” كلام العرب على الإطلاق لابد فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ، وإلا صار ضحكة وهزءة”.

ويقول أيضا: ” من أخذ بنص مثلا في جزئي معرضا عن كليه؛ فقد أخطأ”.
ويقول أيضا: ” كل مسألة لا ينبني عليها عمل، فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي”. (الموافقات).
فنحن — معاشر المنصفين — لا نردُّ حديثا صح سنده عند أئمة الشأن، ولا نتجاسر على مقام السنة برد هوى أو تعصب؛ ولكنا نقول كما قال أئمة الأصول: النصّ لا يُفهم مجردا عن سياقه، ولا ينزَّل منزلة الإطلاق مع قيام الاحتمال، ولا يُترك له الجمع والترجيح مع وجود المعارض أو المخصِّص أو البيان. أفترومون أن نُقصي عقولنا التي بها فُهم الوحي، تمكينا لفهوم مخصوصة جعلتموها معيارَ الحقّ لا يُجاوز؟! هذا قلب لمنهج النظر، وإبطال لميزان الترجيح…

إن الأحاديث الواردة في هذا الباب — على فرض تسليم دلالتها — قد تكلم العلماء في توجيهها: فمنهم من قال بأمر أهل الفترة، ومنهم من تكلم في طرق بعينها من جهة الاضطراب أو الاحتمال… وهذه مسالك معتبرة في صناعة الأصول والحديث، لا يُبدَّع قائلها ولا يُرمى بالهوى؛ إذ الخلاف فيها قديم، معروف في كلام الأئمة…
ثم إن دعوى البغض — وأنّ الله ورسوله يبغضان والدي النبي صلى الله عليه وسلم — دعوى عرية عن الدليل الصريح؛ والفرق بين الحكم والعلة، وبين الخبر والوصف، فرق بينٌ عند من مارس مسالك البيان. فكيف يُزاد على النص ما ليس فيه، ثم يُجعل ذلك أصلا في الولاء والبراء؟!

ولو سلمنا — جدلا— بثبوت الحكم على وجه معين، فأين الدليل على أن الاشتغال به من مسائل الاعتقاد التي ينبني عليها عمل؟! إن هذا الباب لا يتوقف عليه ركن من أركان الإيمان، ولا ينبني عليه فرع من فروع الفقه، ولا يترتب عليه تكليف عملي. والأصوليون قرّروا أن ما لا ثمرة له في العمل، ولا أثر له في التكليف، فالنزاع فيه من فضول الخصومات، لا من محاسن الديانات. فكيف يُجعل شعارا للمفاصلة، وميزانا للولاء والبراء؟!
وأما احتجاجكم بالولاء والبراء، فاعلموا أنه أصل شرعيٌّ يُراد به نصرة الحق وأهله، والبراءة من الكفر والعدوان، لا تتبّع مسائل محتملة لا ينبني عليها تكليف. فإن كنتم صادقين في الغيرة على جناب التوحيد، فبراءتكم أولى أن تتوجه إلى من سفك دماء المسلمين، واستحل حرماتهم، وأعان الظالمين، ووالى المعتدين. أما أن تُترك عظائم الأمور، ويُشتغل بمسألة لا يترتب عليها عمل، ثم يُتَّهم المخالف في عرضه ودينه، فذاك من اختلال ترتيب الأولويات، الذي حذر منه علماء المسلمين.

إن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتعزيره أصل قطعي، ومن لوازمه صيانة جنابه عن كل ما يؤذيه في أهله وقرابته بغير برهان قاطع. ولسنا نقول إلا بما قاله أهل التحقيق: نمسك عما سكت عنه التكليف، ونفوض ما لم يُكلَّف به العبد إلى علم الله وعدله، ونشتغل بما أُمرنا به من إقامة العدل، وإصلاح النفس، ونصرة المظلوم، وجمع الكلمة.
فالمنهج المنصف: إثباتُ ما ثبت، وفهمُه بفهم سديد، دون زيادة في الدعوى، ولا تحميل للنص ما لا يحتمل، ولا جعلِ المسائل النظرية سيوفا على رقاب المسلمين. ومن رام غير ذلك، فقد قدم رأيه على ميزان الشريعة، وجعل الخلاف فيما لا ثمرة له أصلا، وترك ما عليه المعوّل من مقاصد الدين.
والله أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

¤ كتبه مصطفى اعتاني غفر الله له وأصلح شأنه ناصحا وموجها، ومبغضا من أبغض والدي النبي صلى الله عليه وسلم وقلل أدبه مع الحبيب، مشهدا على ذلك الله وملائكته ومن قرأ هذا المقال.
وصلى الله على الحبيب المصطفى، وكفى بالبراء من والدي النبي صلى الله عليه وسلم والولاء للمجرمين وقتلة المسلمين الأبرياء فضيحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق