آدم وحواء من آيات الله تعالى

قال تعالى : ” خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ” سورة الزمر آية”٦” .

نتناول في هذا المقال موضوعين :

 الأول :” آدم” المسؤول الأول لرفع الظلم عن حواء .
 الثاني : نموذجان مشرفان لحواء .( السيدة خديجة وعائشة رضي الله عنهما )

علاقة لصيقة بين الذكر والأنثى من بدء الخلق ، يتفرقان بشخصية وذات مستقلة جسدا وعقلا ونفسا لكل منهما ثم ترجعان مرة اخرى آية من آيات الله تعالى في الزواج .

تفرقا آية واجتمعا آية لتحقيق عمارة الكون بالمودة والرحمة .

إن أمر الله تعالى للملائكة بالسجود لآدم فيه تصريح بأن طبيعة هذا الإنسان فيها الاستعداد للترقي الروحي ،فالفيوضات الإلهية على الإنسان لا تنتهي .

وجمع آدم بين المعرفة المتكاملة بعالم الغيب والشهادة ، معرفة بالطبيعة وما وراء الطبيعة .

وأما كلمة آدم فقد ارجعها بعضهم إلى اصل خلقه عليه السلام وهو أديم الأرض . وآخرون الى لونه الذي يميل الى السمرة . وهناك رأي آخر حري بالاهتمام وهو إعادة التسمية إلى لما يحويه من الطيب والتحلي بالكمال المستطاع ، بالخلق والعقل . وأما حواء لانها خلقت من شيء حي .

لقد عاشت المرأة ” حواء”  منذ زمن طويل حالة من الاضطهاد والتمييز العنصري في الغرب والشرق ، وفي كل مرة ما ان تأفل نار التمييز بالتشريعات الناظمة لعلاقة الإنسان مع أخيه الإنسان حتى تعود مرة أخرى . ويمكن أن نلخص أسباب وقوع الظلم على ” حواء” بالتالي :

أولا :  قوانين صاغها الانسان تتناسب مع ثقافته الذكورية التي تهتم بالقوة الجسدية فقط .

ثانيا :  توجهات دينية( المسلمين وغير المسلمين )  متطرفة تتلقف بعض الروايات غير الصحيحة لتزيد من تهميش المرأة في المجتمع .

 النتيجة شعور الذكر بأنه ارقى من المرأة نفسا وعقلا وجسدا ،وعليه فهو في الدرجة الأولى  دوما ، والمرأة في الدرجة الثانية . ….!!!

 لقد رفض القرآن  الكريم والسنة النبوية الشريفة  كل أشكال التمييز ضد المرأة ويتجلى ذلك في تسفيه فعل الجاهلية ، والذي ورد تصويره  في قوله تعالى : ” وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم … ألا ساء ما يحكمون  “

عاب  القرآن الكريم  التمييز منذ ولادة هذه الأنثى بعيدا عن شكلها او  لونها أو قوتها ، لا يجوز ان نتخذ موقفا مشؤوما من المولود فقط لأنه “حواء” . وهذه النص يعلن التسوية بين الذكر والأنثى .

في ظل هذا الظلم الذي وقع ويقع على المرأة المسلمة وغير المسلمة مع تفاوت فيما بينهما ، نجد أن عصرنا الراهن أوقع ظلما جديدا على المرأة وهو “” *الاهتمام بجسد المرأة ومفاتنها والتجارة به “* ” .

نعم …. !!!!

إنه”  الابتذال الجنسي” الذي صار المفهوم الوحيد الذي تقدم فيه المرأة في كل مكان للأسف!!   سلعة إعلامية تباع وتشترى ، مما زاد من وتيرة الاضطهاد ضد المرأة ، الغرب والشرق يعاني من تزايد  الاضطهاد والاتجار بالمرأة تحت مسميات ” ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب والويل عليها ” .

لقد طلب الإسلام من المرأة ان تكون زوجة صالحة  تساعد في تربية اولادها وتأسيس أسرة متماسكة ، لكنه في الوقت نفسه طلب منها ان تدخل معترك الحياة لإثبات نفسها ونفع مجتمعها .

تدخل معترك الحياة بكفاءتها وعلمها وعفتها .

علينا ان نعلم  ونقرر أن التفاضل الحقيقي بين الذكر والأنثى هو في ثلاثة مجالات :
 *اولا* : التقوى ، والعفة .
 *ثانيا* : العلم ، وزيادة مقدرتنا العلمية .

 *ثالثا* : الإنتاج ، والنفع الذي يعود على الوطن والمواطن .

 *نماذج مشرقة في العهد النبوي* :
هناك نماذج كثيرة من النساء اللواتي استطعن اثبات انفسهن في التاريخ الاسلامي شخصيات نسوية صنعن لأنفسهن مكانة راقية في المجتمع جمعن بين العلم والعمل والعفة .
حتى أيامنا هذه استطاع عدد لا بأس به اثبات قدرتهن على التميز في جميع المجالات في الطب والفيزياء والرياضيات  والهندسة وحتى في تقلدهن مناصب عدة وأخيرا في العمل المجتمعي .
ولكن نركز في هذا المقال نركز على نموذجين في الاسلام أمنا خديجة رضي الله عنها وأمنا عائشة رضي الله عنها .

هذان النموذجان يمثلان مرجعية في الاسلام لقربهما من رسول الله عليه السلام والثاني لما لهما من مواقف عظيمة علمية وحياتية .

السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها :
حياة السيدة خديجة مليئة بالمحطات المهمة سواء في شخصيتها القوية ونسبها الكبير في قومها .
كما أنها كانت تمثل المرأة  الاقتصادية العاملة والمنتجة في مجتمعها ، رجال يعملون تحت إمرتها ، وأضف الى جانب ذلك ومع النجاح العملي أضف اليه العفة والحشمة والسمعة الطيبة التي كانت تعرف بها .

لقد جمعت السيدة خديجة بين الاخلاق وقوة الشخصية  هذه المؤهلات تممتها بمعرفة سيدنا ومولانا محمد عليه السلام حتى قامت بالزواج منه .

وسيدنا رسول الله عليه السلام يزيدنا معرفة بالسيدة خديجة التي كانت أول من آمنت به وصدقته ، وكانت الداعمة للرسالة بمالها ، كأنها تعلمنا أن المال والثروة الشخصية لا قيمة لها اذا لم توضع في خدمة الإنسان والوطن .

السيدة عائشة رضي الله عنها :

كانت مرجعا في الفتوى وتجيب على كثير من الاستفسارات الفقهية ، كما أنها اشتهرت باستدراكاتها على بعض الصحابة رضي الله عنهم  ، لتصوب من نسي او اخطأ او وهم منهم في رواية الحديث ،  كما أنها كانت تتوجه في بعض الأحيان لنقد متن الحديث فهي جمعت بين الرواية والدراية وقد عدها بعض العلماء في المرتبة الرابعة رواية عن سيدنا رسول الله عليه السلام فمجموع ما روته (٢٢١٠) منها (١٧٤) متفق عليه ،و(٥٤ ) حديث انفرد بها البخاري ،و ( ٦٩) انفرد بها مسلم .

وقد ألف بعض العلماء كتبا  جمع فيه  “استدراكات ” السيدة عائشة على الصحابة الكرام من
تعقب ،ورد ،وإضافة ، وحذف ،وتصويب ،ونفي …. ! كالزركشي وعدها (٥٣) استدراكا ، وتبعه السيوطي أيضا .

سأضع بين يدي القارئ الكريم بعض هذه الاستدراكات لتعطينا تصورا عن مكانة المرأة في الاسلام واهتمامها بإنتاج المعرفة الدينية ، والروح النقدية بعيدا عن التقليد الأعمى :

 الأول : من حديث عمر  وابنه رويا :  عن رسول الله عليه السلام : ( إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ) كما جاء في مسلم .

وتستدرك السيدة عائشة على هذه الرواية لتقول : (  يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما انه لم يكذب ،ولكنه نسي او أخطأ  ” “إنما مر رسول الله عليه السلام على يهودية يبكى عليها فقال : إنهم ليبكون عليها ، وإنها لتعذب في قبرها ”  وحسبكم قوله تعالى :” ولا تزر وازرة وزر أخرى”

جواب السيدة عائشة حمل عقلية وشخصية نقدية فذة ،بدأ بالتوجيه من حيث النقل وان الرواية غير كاملة ، ثم اتبعتها بالتوجيه المنهجي في حال ظهور التعارض بإرجاع النص الحديثي وعرضه على  النص القرآني القطعي الثبوت .

 الثاني: روى أحمد من طريق قتادة عن أبي حسان أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة فقالا : ( إن أبا هريرة قال : قال رسول الله عليه السلام : ( الطيرة في الفرس والمرأة والدار ) فغضبت عائشة غضبا شديدا وقالت : ( إنما قال : ” إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك ” ) ورواه احمد بلفظ آخر  واستدلت بالآية ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ) .

مرة أخرى تزيل أمنا عائشة الوهم الذي وقع في الرواية ، وتعرض الرواية على القرآن الكريم .

 الثالث : ما جاء في سنن البيهقي ، أن السيدة عائشة أخبرت أن أبا سعيد الخدري قال : قال رسول الله عليه السلام ( المرأة لا تسافر إلا ومعها ذو محرم ) قالت عمرة بنت عبد الرحمن : فالتفتت عائشة الى بعض النساء وقالت : ما لكلكن ذو محرم “)

وقد افتى بذلك بعض العلماء ممن لم يشترط المحرم في وجوب الحج ، وعندما عرض ذلك على أبي حنيفة اي قول عائشة قال : كان الناس لعائشة محرما ..” لذا اختار بعض العلماء جواز سفر المرأة للحج دون محرم اذاكان الطريق آمنا .

والكلام في هذا الباب طويل ولكن اردنا أن نشير كيف كان  فقهاء السلف ينتقدون ويردون ، وهذه السيدة عائشة تعمل على نقد الحديث رواية ودراية .

وهناك استدراكات اخرى للسيدة عائشة رضي الله عنها .
وكما هناك مواقف لنساء اخريات من عصر التنزيل الى يومنا هذا استطاعوا ان يجعلوا لهم موطىء قدم مع ما يعانون من  تآمر المجتمع والثقافة والقانون على حواء .

لا نبالغ اذا قلنا : قد تكون هذه النماذج وغيرها الناهض الحقيقي للمرأة في عصرنا الحالي  لتجمع بين العفة والعلم والعمل .

بواسطة
د. ربيع العايدي/ المملكة الاردنية الهاشمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق