صون فن الروايس، مسؤولية وطنية

للمغاربة، ومنهم الأمازيغ، علاقة وطيدة وعريقة بالفن، ومن الناذر أن تجد منطقة أو دوارا لا يمارس أبناؤه لونا فنيا معينا أو يعشقونه، بل إن لكل منطقة لونها الفني وفنانوها، يولدون من رحم المعاناة والحرمان، يتعلمون معتمدين في الغالب على المتاح لهم من الإمكانات والوسائل، ويغنون ويرقصون ويبدعون مجتمعين كلما نضجت الظروف لذلك، أو تدفع بهم مناطقهم وذووهم وأبناء قبائلهم نحو المقدمة كلما أبدوا براعة، قبل أن تشرع أبواب الشهرة والاحتراف في وجوههم.
وينذر أن تجد دوارا أو حيا لا يجتمع شبابه كل ليلة بعد العودة من مشاغل الحياة متسامرين متحلقين حول عازف منهم على آلة من الآلات المتداولة في المغرب، يتحلقون حوله مقدمين العون بالترديد والتصفيق والنقر على المتاح كآلات إيقاع، ومن جلسات السمر هذه تخرج كبار الفنانين الشعبيين في المغرب والرواد والمجموعات.

في مناطق الجنوب الناطق بأمازيغية تشلحيت، يعرف الناس إيسوياس وحفلات الروايس، ويترددون عليها بشغف، ويصعب أن تعثر على بيت لا يقبل أحد أو أغلب أبنائه على فضاءاتهما، ولا يمكن أن تغيب عن أي بيت من البيوت العدة الكاملة اللائقة بالفنان، ولو كان هاويا أو مناسباتيا، وتتكون تلك العدة من جلابيب ناصعة البياض، وسراويل وعمامات بيضاء، وجبات بيضاء من الصنف المغربي الأصيل، وخناجر فضية بمقابض عاجية وخيوط من الحرير الرفيع الباهظ الثمن، وبلغات متنوعة صفراء أو بيضاء، وآلات موسيقية وإيقاعية تخبأ بعناية ولا تستخرج إلا في اللحظة المناسبة خلال الأعياد والأفراح والمناسبات، فيجتمع كل أفراد الدواوير والقبائل فرحين في حلقات أحواش أو حول الفنانين للترويح عن النفس والاستراحة من ثقل موسم من الجد والعمل في مختلف الميادين. ويتخرج الفنانون إلى اليوم، سواء فناني أحواش أو الروايس، من مناطقهم، فيتتلمذ الجيل على الجيل الذي قبله، ويحتك بمحطات الصقل والتي منها الجولات والحلقة وجلسات الكبار، قبل أن يتجرأ الواحد منهم على ولوج الميدان مرفوع الهامة.

هذا هو المسار الذي يمر منه أغلب الفنانين المرموقين في المناطق التي تواصل الحديث باللغة الأمازيغية إلى اليوم، وهو نفس المسار الذي يسلكه الروايس، إذ في الدوار يفتح الرايس عينيه في بيت قروي بسيط يضم في الغالب الجد والجدة والأب والأم والأعمام، ويقطنه أبناء العمومة، يفتح عينيه على طبيعة خلابة، ومجتمع يعشق الحياة والفن والجمال ويقدس العمل.
في طفولته المبكرة يرافق الطفل الكبار من إخوته وأبناء عمومته والجيران للحقول أو للمرعى أو جلب الماء تبعا للفصول، وكلما رافق واحدا منهم، لا يتوقف عن الشذو، فالغناء يؤثث كل تفاصيل اليومي عند الأمازيغ، وخصوصا قبائلهم التي عرف عنها كونها الرحم التي ظلت تنجب كبار الأسماء في عالم الفن. فالأمازيغي يغني وهو يرعى، وهو يحرث، وهو يحصد، وهو يدرس، وهو يذري، وهو يبني، وهو يركب بهيمته متوجها إلى وجهة من وجهاته…، لا يتوقف عن الغناء أو الدندنة، وينذر أن تجد بيتا لا يعشق أبناؤه الفن، مما جعل مناطقهم ودواويرهم الرحم التي ولدت وتطورت فيها أنواع أحواش الشهيرة، ومسقط رأس عشرات الأعلام من فناني الروايس، والأكثر إقبالا على أغانيهم واستهلاكا لها، وأفراحهم وبيوتهم قبلة لأكبر الفنانين على مر العصور، مما جعلهم يحظون بالذكر الحسن لدى كل الفنانين باختلاف أجيالهم.

خلال سببعينيات القرن الماضي، كان من بين قطع أثاث البيوت القروية البسيطة فونوغراف يختار له مكان خاص وجميل يوضع فيه، وبجانبه الأسطوانات التي لا تمتد إليها إلا يدا كبير العائلة، وكان يجمع حوله أفرادها كلما عاد الجميع من مشاغلهم للاستماع لأسطوانة من الأسطوانات التي كان يغذي بها فنانو الستينيات وبداية السبعينيات السوق الفنية ، فاستمع أبناء المناطق الناطقة بتشلحيت تباعا، من ذلك الجهاز المقدس، لفطاحلة الروايس من مختلف الأجيال، فورث الجيل للجيل الذي يليه تلك العادات والمواهب، وأضاف إليها كل وارث لمسته، لتظهر وتنتشر أجهزة الراديوكاسيط خلال نهاية السبعينيات ، موذنة بانتهاء حقبة الفونوغراف المحدود الانتشار لفسح المجال لانتشار أكبر وأوسع لأغاني الروايس، فكانت الأسواق الأسبوعية طيلة الثمانينيات والتسعينيات والعقد الأول من الألفية الثالثة وخلال الأعياد والمناسبات تشهد إقبال الناس على اقتناء كل ما تجود به قرائح الفنانين، وتزود به شركات الإنتاج السوق، وكانت فرصة الصغار للاستماع لكل ما كان يبتاعه الكبار من أفراد العائلة، ومداخيل أشرطة الكاسيط والفيديو ثم الأقراص المدمجة الضامن لاستمرار قيام شركات الإنتاج بدورها في تمويل القطاع وأفراده لمواصلة الخلق والإبداع، وضامن استمراريته في غياب أي دعم من المؤسسات الرسمية، والمدرسة الغير المباشرة التي يتتلمذ منها الذين ينجذبون نحو ميدان تيرويسا.
إن لتيرويسا تقاليد وعادات، وشروطا صارمة ظلت تحكم ولوج الميدان، مما جعل المتلقي ينعم بأجود الابداعات التي ظل الرواد يغذون بها السوق عقودا، وقد لعب أرباب شركات الإنتاج دور الرقيب في أحيان كثيرة في إتاحة الفرصة لعدد من الأسماء التي تستحق ولوج عالم تيرويسا، وهو الدور الذي سيتوقفون عن لعبه بعد توقف شركات الإنتاج القسري بعد انهيار سوق الأغنية، فتوقفت الرقابة مما جعل عالم الفن مفتوحا لأي كان في ظل غياب أي رقابة تتتبع القطاع.
فأن تكون رايسا في المناطق الناطقة بأمازيغية تشلحيت يعني أنك جدير بالرئاسة بما تحيل عليه الكلمة من دلالات، فتترأس مجموعة فنانين يكونون فرقتك الفنية، ولا تتقلد ذلك المنصب إلا إذا توافرت لك جملة شروط:

1. أن تتلمذ على أيدي الكبار فنا وتجربة وخبرة في تيرويسا وتتخرج من مدارسهم التي ظلوا ضامنين لاستمرارها بإمكاناتهم الخاصة وما تجود به السوق الفنية وشركات الإنتاج.
2. أن تتقن العزف على آلة أو آلات موسيقية، واساسا الرباب الذي يرتبط به الترأس الفعلي، بمعنى أن يعزف الرايس مقطوعاته بنفسه خصوصا خلا الأعراس والحفلات، مع تولي مختصين ذلك في الأستوديو.
3. أن يكون صوتك جميلا أو على الأقل مقبولا وتنضبط للإيقاع
4. أن تكتب نصوصك بنفسك، لأنك تمتحن عند أول محطة أمام الجمهور باختبار قدرتك على الارتجال
5. أن تلحن أعمالك بنفسك
6. أن تحيط بكل تفاصيل طقوس تيرويسا من لباس وطريقة الكلام والجلوس وطريقة الوقوف وأضرب الرقص
7. أن تكون لك القدرة المادية على فتح منزل يؤوي روايس مجموعتك ويضمن لهم الإيواء والمأكل والمشرب وفضاء التمرين المستمر، وهي ظاهرة كانت تعرفها مدن الروايس كالدشيرة وإنزكان ومراكش والصويرة والدار البيضاء، وهي الفضاءات التي رأـت فيها أغلب الروائع التي تطربنا إلى اليوم النور قبل أن يوصلها كبار منتجي أغنية الروايس للجمهور المتعطش لها.

كانت هذه هي الشروط هي التي أعطتنا أسماء تلو الأسماء الكبيرة في عالم تيرويسا، وكان لشركات الإنتاج دور كبير في إيصال عدد منها إلى النجومية والجمهور، وهي الحال التي ستتغير بعد الطفرة التيكنولوجية وانتشار الأنتيرنيت والهواتف الذكية واحتدام القرصنة.

إن بوار سوق الأغنية بسبب ما أتاحته التيكنولوجيا من إمكانات الاستنساخ غير المشروع والقرصنة والانتشار الواسع للأعمال الفنية عبر مواقع التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية ومختلف دعامات التخزين، أصاب القطاع في مقتل، وأغلق أغلب شركات الإنتاج، فتوقفت هذه المؤسسات عن احتضان الفنانين وضمان استمرارية إبداعهم وممارسة الرقابة على ما يتم اقتراحه، فانكفأت الأسماء الكبيرة، أو اعتمدت على إمكاناتها البسيطة، وتوقفت مدارس الروايس عن إنتاج الخلف، مع دخول أسماء إلى الميدان لا يتوفر لها في أحيان كثيرة الحد الأدنى من الشروط أي الصوت الغنائي الذي عوض بالمؤثرات الرقمية المحسنة للصوت، فاختلط الحابل بالنابل.

لقد اسهم الروايس في المحافظة على الثقافة الأمازيغية المغربية الأصيلة ونشرها، ولعب دورا كبيرا في معيرة جزء كبير من اللغة الأمازيغية في المناطق الناطقة بأمازيغية تشلحيت وتستمع ساكنتها له، والمحافظة عليها وصونها، وهي المناطق الممتدة من دمنات شمالا إلى أگلميم جنوبا، ومن الصويرة غربا إلى وارزازات شرقا، فضلا عن المدن والحواضر التي تشهد حضور المهاجرين من هذه المناطق، وأسهم رجالاته وممولوه في ضمان استمراريته بجهودهم وإمكاناتهم الخاصة بعيدا عن أي رعاية أو دعم رسميين، وآن الأوان لدق ناقوس الخطر بشأنه في ظل تراجع المؤسسات الشعبية والتجارية التي ضمنت استمراريته، كالحلقة وجولات الروايس وبيوتهم وشركات الانتاج، وتواصل إقصائه من التمويل ومن التعليم والتدريس في المعاهد والمؤسسات العمومية والنشر والتعميم عبر كل وسائل الإعلام العمومي، مع دعوة كل الغيورين على ثقافة وحضارة وهوية ولغات المغرب، أفراد ومؤسسات، إلى الترافع من أجل صون فن الروايس بوصفه فنا مغربيا أصيلا والعمل على الاعتراف به تراثا إنسانيا لا ماديا يستحق الصون والبقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق