المناضل أحمد الجمال .. والضفيرة الحضارية المصرية (3-4)

وهو الصوفى المحب للأولياء والصالحين :
إن الأستاذ أحمد الجمال صوفى قح .. فهو لم يقرأ عن التصوف فقط ولكنه :
” لبس خرقة التصوف ” ومضي حافيا يشاهد تجليات الشطح على ألسنة وفى وجوه الفقراء أى الدراويش المحبين … وهام على وجهه فترة من الزمن كدرويش ينشد ما اعتقد أنه الحقيقة ” 1)
وفى ذلك يقول : ” فى مطلع الستينيات كنت أمضى الشهور فى السياحة كدرويش بين المدن والقرى … وعايشت أهل الطريق من مختلف المشارب ( أحمدية .. وبيومية .. ورفاعية .. وخلوتية .. وبرهامية .. وشاذلية .. ونقشبندية ) وحملت مشنات الطعام المتفاوتة من الفول النابت والدقة والجبن القديم والكرات والفجل واللفت المخلل , إلى هبر اللحم وأناجر الفتة .. وتعلمت ألا أستكنف رص البراطيش ” الأحذية والبلغ القديمة ” وألا أمتعض من تنظيف المراحيض .. وألا يفور دمى من رذالة مبطون لا يريد أن يفسح المطرح لغيره ” 2)
والتصوف عند كاتنبا الكبير هو التصوف الإيجابى وليس ” البله والهطل واللامبالاة والانقياد الأعمى ” 3)
ودخل فى سجال فكرى وفقهى مع تنظيم الفنية العسكرية مدافعا عن التصوف وذلك أثناء فترة اعتقاله :
فيقول : ” ضربت مثلا بواقعة النبى سليمان بعدما جرى مع الهدهد، وقلت : إن الذى عنده علم من الكتاب هو الذى أحضر عرش ملكة سبأ ، قبل أن يرتد طرف سليمان إليه ، وتغلب بذلك على عظيم الجن «العفريت»، وأنه كان رجلا اسمه آصف بن برخيا.. واحتجوا وقررنا الاحتكام لتفسير «ابن كثير»، الذى يقتنونه فى محبسهم وأحضروه فإذا به يؤكد كلامى ، وإذا بهم يصيحون بأنها نسخة مزيفة ” 4)
ويرى أن مشاهد آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم : ” سيدنا الحسين والسيدة زينب وسيدى على زين العابدين والسيدة نفيسة والسيدة سكينة والسيدة عائشة وغيرهم ” سواء كانت المشاهد تحوى رفاتهم أو لا تحتويه ، ومعهم الأقطاب الصوفيون الكبار كالبدوى والدسوقى والشاذلى والقنائى والمرسى وابن عطاء الله وأيضا سيدى شبل بن العباس وعشرات آخرون منتشرون فى ربوع المحروسة الجميلة كانت وستبقى مراكز للإشعاع الروحى والأدبى والفنى ، ومجالا للتكافل والتراحم وإطعام الطعام وصلة الأرحام ولقاء الأصدقاء 5)

وهو داعية المواطنة الكاملة :
إن كاتبنا الكبير يدعو دوما لمبدأ المواطنة الكاملة مع إخوتنا المسيحيين .. وتجمعه علاقات صداقة عميقة مع آباء الكنيسة المصرية ومع الكتاب والأدباء والفنانين المسيحيين .
ويرى أن الفتنة الطائفية صناعة استعمارية تنفيذا لمبدأ ” فرق تسد ” .
وأن ما حدث فى ثورة 1919م وخطاب القمص سرجيوس على منبر الأزهر ثم وجود أسماء مصريين مسيحيين فى قيادة الثورة ومع سعد زغلول كان أكبر رد على المحاولة البريطانية .
وأن ما تقوم به جماعات التطرف والإرهاب من بث الفرقة والفتنة مع أخوة الوطن ما هو إلا تنفيذ للمخطط الاستعمارى ولكن ” بأيد مصرية .. لتفكيك مصر لحساب أعداء مصر ” 6)
وينعى على من يريدون تحويل المساجد إلى معاقل لإرهاب الخصوم وتحويل المنابر إلى منصات لاستمطار اللعنات على المخالفين .. ثم يقول جازما : ” أعتقد اعتقاداً يصل لدرجة اليقين أن الذين يعادون المسيحيين فى مصر.. أياً كانت درجة العداوة ، ولو بالتحفظ فى تهنئتهم بأعيادهم ، ومخاطبة ودهم دون تجاوز عن ذلك , لا يعرفون الإسلام ولا الإنسانية حق معرفتهما ، بل أذهب إلى أكثر من ذلك ، وهو أنهم يهدمون ركناً ركيناً من أركان الدين عامة ، والإسلام خاصة ، وهو احترام النفس البشرية بصرف النظر عن جنسها ولونها ودينها ، كما يقوضون مجمل ما قامت عليه الحضارة العربية الإسلامية ، حيث ينهدم البناء كله إذا أصاب شرخ أحد أعمدته الرئيسية ، وإذا أصيبت التربة من حول أساساته بخلل 7)
ويرتبط كاتبنا الكبير بعلاقة طيبة بالكنيسة المصرية :
حيث حاور البابا شنودة بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية لمدة 3 ساعات .. وصلى العصر بالكاتدرائية قبل إجراء الحوار مباشرة .. وقال له البابا شنودة ” حرما ” .
وله حوارات مع الأنبا سدراك ” مطران القدس فيما بعد ” بدير الأنبا بيشوى .
حتى أنه يلقب بين أصدقائه وإخوته المسيحيين ” بالشماس القديم ” .
وله صداقات عميقة المضمون مع أساقفة أجلاء ورؤساء أديرة أتقياء .
وله تجربة مضيئة مع المركز القبطى للدراسات وأسقفية البحث العلمى حيث شارك فى إلقاء محاضرات للشباب المسيحى فى معسكر” أبو تلات ” حيث كان كل فوج يضم ” 250- 300 ” شابا وذلك لإبراز الجذور التاريخية المشتركة بين المصريين .. بصحبة ” الدكتور أحمد عبد الله رزة , جورج إسحق , سمير مرقس ونبيل مرقس وإيناس عوض الله والدكتور صلاح عبد المتعال والمهندس منير عياد وغيرهم ” .

ويحكى كيف أن أحد المشاركين ” مجدى أحمد حسين ” تحدث بطريقة غير مناسبة للهدف من المعسكر وتكهرب الجو .. وكان هو المحاضر التالى فقام بإلقاء ترنيمة كنسية حيث إنه يحفظ الترنيمات الكنسية بالقبطى والعربى .
فقامت فرقة الإنشاد الكنسى بالكنيسة إكراما له بإنشاد نشيد طلع البدر علينا من ثنيات الوداع !! 8)
وكاتبنا الكبير خبير بتاريخ المسيحية ومذاهبها .. ويأسى أن معظم المهتمين بالسياسة والثقافة يعانون من نقص شديد فى معرفتهم بتاريخ المحروسة .. ويرى أن هذه المعرفة ضرورية بل واجبة على كل مثقف مصرى وعلى كل مهتم بالعمل العام سياسيا وثقافيا واجتماعيا 9)
علما بأن كاتبنا الكبير تعرض لتهديدات – من تنظيمات متطرفة – عبر رسائل إذا لم يتوقف عن الكتابة الإيجابية عن آباء الإصلاح بالكنيسة المصرية 10)
والمتابع للأستاذ أحمد الجمال يجده يستشهد بمواضع من الإنجيل سواء بندواته أو مقالاته وكثيرا ما يدعو المصريين وغيرهم لقراءة ” النص الخالد موعظة الجبل .. قمة فى السمو الأخلاقى والتسامح ؛ أطلب من كل إنسان يستطيع القراءة والكتابة أيا كانت ملته أن يقرأ موعظة الجبل .. سوف يتعلم كثيرا ” 11)
ويرى أن الحصان والعروسة الحلاوة فى المولد النبوى يعبران عن مار جرجس والسيدة العذراء بتاج النور 12) .. مما يؤكد قوة الترابط بين المصريين .
ويلفت النظر للتشابه الكبير بين الإنشاد الدينى ” المسيحى والإسلامى الصوفى ” :
” فعندما تستقبل روحك عبر أذنيك ترنيمة وإنشادا مسيحيا , وتمضى إلى الحضرة فى الساحة وعلى الرصيف .. فإذا بالجملة الموسيقية والإيقاعية والنصوصية تستكمل نفسها لأن المصدر واحد والمشرب الصافى هو .. هو !!

وهو المقاتل الشرس ضد التطرف والإرهاب :
بدأ الاحتكاك بين كاتبنا الكبير وتنظيمات التطرف والإرهاب منذ أواخر السبيعينات من القرن الماضى حيث ألتقى بتنظيم ” الفنية العسكرية ” بسجن الاستئناف وله مجادلات كثيرة معهم ويحكى هذه القصة الكاشفة :
” ذات يوم نادى شاويش العنبر أن غادروا زنزانتكم لتحلوا محل مجموعة «الفنية»، وخرجنا فى دقائق، مثلما فعل كل سكان الزنازين ، وظللنا ننتظر أن تنتهى مجموعة «الفنية العسكرية»، من لم «العزال» دون جدوى ، ومضى الوقت من الثامنة صباحاً حتى نادى الشاويش «التمام يا أفندية» الساعة الخامسة مساء، وهم لم ينتهوا .. وفى الخامسة والنصف تقريبا سمحوا لنا بالدخول لنفاجأ بالمشهد التالى.. وأقسم بالله أننى لا أبالغ .. وأظنهم مازالوا أحياء يشهدون ، الجدران التى كانوا قد طلوها بالزيت حاولوا إحراقها ، والجزء الذى لم يحترق عجنوا أوراق الصحف المحترقة وهببوا بالعجينة بقية المساحة ، ثم إنهم خلعوا الحنفيات من فوق حوض الغسيل ومن الحمامين ووضعوا مكانها خوابير خشبية .. ثم قاموا بعجن خليط من الجبس والأسمنت وسدوا عينى المرحاضين ، ثم خلعوا صفا أو اثنين من بلاط الزنزانة ، وهما الصفان اللذان كانا يغطيان السراديب التى أفرغوها لتخبئة ما يريدون ، ثم خلعوا الكورنيشة الخشبية من تحت حلق الشباك.. المهم دمار شامل للزنزانة ! ”
وذهبت من فورى إلى الشاب ماجد، الذى توسمت فيه اعتدالاً، لسماحة وجهه، ولم أقترب طبعا من الأمير سعيد دربالة، وسألت: ما هذا الذى فعلتموه؟ وجاءتنى الصاعقة: لقد عقدنا اجتماعا مطولا بقيادة الأمير وتناقشنا نقاشا حادا وطويلا، واتفقنا على تدمير المكان تأسيسا على قاعدة فقهية لدينا تقول: «إذا ترك المسلمون ديارهم لغير المسلمين فعليهم ألا يدعوا عامرا إلا وخربوه»!. وسألته: وهل نحن غير مسلمين، ألم أصلَّ معكم وزملائى كثيراً من الفروض، ثم ألم تعلموا أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – نهى أصحابه عن ردم الآبار وقطع الشجر ومهاجمة دور العبادة، فى حالة الحرب مع غير المسلمين، ولذا حتى لو كنا فى حرب فلا يجوز ما فعلتموه فى مصادر الماء؟!! وكان رده غمغمة غامضة! 13)
وله نقد عميق للفكر الاقتصادى لجماعة الإخوان فيقول :
” إننى ما زلت عند قناعتى أن الإخوان جزء من التوجه اليمينى الرأسمالى الفاشى المنحط ، بل إنهم اقتصادياً أكثر رداءة وانحطاطاً من رأسماليى الحزب الوطنى، الذين كان من بينهم منتجون لصناعات ثقيلة ، وأخرى وسيطة وثالثة استهلاكية ، أما الإخوان فمعظم نشاطهم – إن لم يكن كله – نشاط ريعى واستهلاكى وتوكيلات وعملة ، ويهدف للربح السريع دون أى اعتبار لقواعد وأهداف التنمية الاقتصادية الوطنية ، ولا للمشاكل الحقيقية ، التى تفتك بالمواطنين، وتتجاوز سد بعض رمقهم، ولوقت لا يتجاوز يوماً واحداً ، يكفى فيه بالكاد كيلو زيت وآخر أرز !! 14)
ويطالب خبراء علم النفس بتركيز جهودهم لدراسة التكوين الذاتى لأعضاء الجماعات السياسية السرية ؛ لاستخراج السمات الخاصة وأنماط التفكير وآليات التعامل لدى الأشخاص المهيئين والمنضمين للتنظيمات السرية سواء ماسونية أو ماركسية أو يسارية أو قومية أو إسلامية 15)
وكان يرى أن ما يحدث من جماعات الإسلام السياسى فى ظل حكم الإخوان لمصر :
” ما هو إلا تقسيم عمل لمهمة العنف المستهدف لترويع الآخر فى الوطن، وبث الرعب فى قلبه حتى يخضع وينساق أو يجبن وينسحب إلى غير رجعة! ” 16)
وبعد 2011م ووصول جماعات الإسلام السياسى للحكم قام كاتبنا الكبير بكتابة عدد كبير من المقالات لنقدهم والرد عليهم وكشفهم والتحذير من فهمهم المغلوط للإسلام .. ونتيجة لذلك تم منعه من الكتابة بجريدة الأخبار القومية حينذاك وتلقى تهديدات كثيرة .
فقام بالرد على ” الدكتور محمد بديع عندما اتهم مخالفى الجماعة بأنهم شياطين , ورد على الدكتور القرضاوى , والشيخ المحلاوى وفتواه حول حكم تهنئة المسيحين بأعيادهم , ورد على مفتى الإخوان عبد الرحمن عبد البر , ورد على فهمى هويدى وطارق البشرى , ورد على الحوينى وبرهامى وغيرهم ” .
وفى عز حكم الإخوان كتب يقول :
” إنها الأيام الأكثر سوادا وإظلاما وانحطاطا فى تاريخ أمتنا المصرية .. وإن المجرمين يجب ألا يفلتوا من العقاب … أعلم أن العقاب القانونى ربما يتأخر، وربما لن يأتى الآن، لأنهم فى قمة الحكم ، وكم من حالات كان التحقيق والعقاب فيها مستوجبا ، ولم يحدث شىء.. بل إن من فى الحكم نفسه أضحى متهما أمام القضاء بتهمة خطيرة هى التخابر.
ولكننى أعلم يقينا أيضا أن حساب الشعوب قادم وحاسم ، وإن تأخر، وحساب التاريخ صارم ، وإن تأجل .. أما حساب السماء، فعلينا أن نتوجه بالدعاء، وفى مقدمتنا الأطفال والنساء والشيوخ والعجائز، وأهالى الشهداء، وأصحاب الدم فى حادثة أبو النمرس، فربما يعجل الله- سبحانه وتعالى- بأن يخلصنا منهم، وأن يجعلهم عبرة لمن لا يعتبر” 17)
الهوامش :
1- مقال ” عشت على الأرصفة ” أحمد الجمال جريدة المصرى اليوم 25-10-2016م

2- مقال ” العود أحمد ” أحمد الجمال جريدة المصرى اليوم 17-4-2019م
3- مقال ” سؤال عن اللهجات في مصر ” أحمد الجمال جريدة المصرى اليوم 24-3-2021م
4- مقال ” تدمير ديار المسلمين ” أحمد الجمال جريدة المصرى اليوم 8-1-2013 م
5- مقال ” في انتظار القبح ” أحمد الجمال جريدة المصرى اليوم 12-2-2013 م
6- مقال ” النجاح البريطانى – الإخوانى المشترك ” أحمد الجمال جريدة المصرى اليوم 4-12-2012م
7- مقال ” ظلم المسيحيين.. مزيد من الكوارث ” أحمد الجمال جريدة المصرى اليوم 9-4-2013م
8- لقاء تليفزيونى للأستاذ أحمد الجمال مع التليفزيون المصرى ..أخبار مصر الإعلامى أيمن العدلى بتاريخ 22-7-2020م
9- مقال ” مصر المسيحية .. لماذا ؟! ” أحمد الجمال جريدة المصرى اليوم 8-4-2020م
10- المرجع السابق
11- لقاء تليفزيونى للأستاذ أحمد الجمال مع التليفزيون المصرى ..أخبار مصر الإعلامى أيمن العدلى بتاريخ 22-7-2020م
12- لقاء تليفزيونى للأستاذ أحمد الجمال مع حمدى رزق .. برنامج نظرة على صدى البلد بتاريخ 30-6-2020م
13- مقال ” تدمير ديار المسلمين ” أحمد الجمال جريدة المصرى اليوم 8-1-2013م
14- مقال ” .. وللكارثة بقية ” أحمد الجمال جريدة المصرى اليوم 26-2-2013 م
15- مقال ” لابد من كشف المستور ” أحمد الجمال جريدة المصرى اليوم 5-2-2013
16- مقال ” المحلاوي بعد القرضاوي ” أحمد الجمال جريدة المصرى اليوم 22-1-2013م
17- مقال ” الأكثر سواداً وانحطاطاً ” أحمد الجمال جريدة المصرى اليوم 25-6-2013م

بواسطة
محمد حسينى الحلفاوي - مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق