حكايات قربوز ابتلعته الوهابية

موحماد طفل من الهامش ازداد وترعرع في منطقة أمازيغية صرفة، يعيش أهله مما تجنيه سواعدهم في فلاحاتهم المعاشية البسيطة وبعض الحرف الأسبوعية التي يمتهنها الآباء.
عاش موحماد طفولة عادية كمثل أقرانه في منطقته ومختلف المناطق الأمازيغية، سيلتحق بمسجد الدوار ليتركه بعد بلوغه سن التمدرس، لن يمكث طويلا بالمدرسة، وسيغادرها رغم تفوقه الدراسي بإيعاز من أبناء الدوار الذين يشتغلون بمختلف المدن ويقدمون خلال كل مناسبة نحو الدوار أنيقي المظهر والبشرة، ليس مثله وهو الذي تشققت يداه من شدة الصقيع.
رغم رفض الأهل، سيرافق موحماد ابن عمه نحو الدار البيضاء بحثا عن العمل، وطمعا في أن يصبح مثل أبناء الدوار الذين يعيشون حسب ما كان يظن حياة الرفاه بالدار البيضاء، بينما هو يلبس فوقيته الوحيدة ويقضي وقته بين الذهاب إلى المدرسة ورعي الماعز والبحث عن الماء.
كان موحماد يتألم كلما التقى بأبناء الدوار القادمين من المدينة في المسجد، يقارنهم بنفسه، وهم الذين يبدون في أبهى حلة، بينما هو يرتدي جلبابه السوقي الذي اشتراه له أبوه، يقارن نفسه بهم وهم يتقنون التحدث بالدارجة ويتباهون في ذلك ويحملون هواتف متطورة، كان موحماد لا يعرف النوم إلى جفنيه سبيلا وهو يتخيل نفسه مثل أقرانه، فقرر الرحيل مثلهم.
حاول والده ثنيه عن المغامرة بترك الدراسة فهي بوابة المستقبل، إلا أنه رفض، فرحل.
غادر موحماد الدوار نحو الدار البيضاء، سيكتشف لأول مرة مدينة عملاقة ظل ينظر لعماراتها الشاهقة وفتياتها الجميلات قبل أن يستقر به المقام بالتأقلم مع وضعه الجديد.
اشتغل موحماد في فرن وجده له ابن عمه، سيكتشف الوجه الآخر والحقيقي لحياة أبناء الدوار هناك في مدينة لا تفرق بين الليل والنهار، سيكتشف أن ما كان يراه لحظي مرحلي لا يتجاوز يومي العيد، ليعودوا إلى أعمالهم المضنية مقابل أجور زهيدة. سيكتشف أن ما يبدونه من سعادة وأناقة في الدوار مسحوق بسيط يغطي على معاناة أزلية، سيقف على كل الحقائق بنفسه. بتدبر من ابن عمه سيحصل على عمل في فرن تقليدي، سيشتغل إلى جانب أبناء مناطق أخرى ساقتهم الظروف والأحلام الوردية لترك مقاعد الدراسة مبكرا والاشتغال وهم أطفال في كل الأشغال المضنية.
يتذكر موحماد أن من بين من اهتموا لحاله ومن أشفقوا عليه رجلا أربعينيا، سيكتشف بعد ذلك أنه أستاذ، يأتي كل صباح لاقتناء الخبز الساخن من الفرن، سأله ذات يوم:
– ur a taqqrat?
ألا تتوجه إلى المدرسة؟
– ma rad awa skargh s tghri
ماذا عساني أجني منها
– makh?
لماذا؟
– nZRa nit willi ghranin, uckigh d dar twwuri
حال من قضوا بها أعمارهم يدمي القلب
– hati kyyi urta tgit win twwuri, mnck ad dark illan?
مكانك ليس هنا بل على مقاعد الدراسة، أنت طفل، كم عمرك
– 12 n usggwas, iz d kyyi aclhi ad tgit waxa tllit gh DDaRlbiDa?
12 سنة، رغم كونك أمازيغيا تعيش هنا بالدار البيضاء؟
– wah, hati kullu imazighn a ikturn DdaRlbiDa
مبتسما، ألا تعلم أن نسبة كبيرة من سكان الدار البيضاء من الأمازيغ؟
– mad tskart kyyi
ما وظيفتك أنت؟
– nkki aslmad ad gigh, ar ssaqqragh zud kyyi
أنا أستاذ أعلم أقرانك
كان الأستاذ كلما قدم إلى الفرن بناديه الطفل مبتسما أهلا أودي أشلحي، من وراء السطور يقرأ الأستاذ الأربعيني أن الطفل يظن أن وجود الشلح بالدار البيضاء، أو الحديث بالأمازيغية في شوارعها مذموم، وهو ربما مما اقتنع به وهو يرى أبناء منطقته يجهدون أنفسهم للحديث بالدارجة في بعض الأحيان بينهم، رغم كونهم غير ملزمين بذلك.
سيتعرف على موحماد آخر من منطقة أخرى تغطي وجهه لحية شعتاء غير منظمة لا يتوقف عن ترديد تعاويذ وعبارات وأحاديث لا تنقطع عن فضل الالتزام. سيقنع موحماد بالتوقف عن الاستماع للأغاني فكل أذن تسمعها مصيرها النار، سيكرر على سمعه كل يوم نفس الأسطوانة، السروال الطويل حرام، قص اللحية حرام، حرام…حرام….حرام…سريعا سيقتنع موحماد الطفل بكون ما يقوله زميله موحماد الشاب في العمل هو الحق، وأن كل ما كان يراه في الدوار ويسمعه باطل، فالطريقة التي كانوا يقرأون بها القرآن في المسجد وعندما يستقدم أبوه الفقهاء إلى البيت حرام، والمعروف الذي ينظمونه في الدوار حرام، وأغاني الروايس حرام، وعمل أبيه كتاجر في الدواب حرام، وعمل جارهم الحلاق حرام، وكل أبناء الدوار كفار لأنهم يلبسون الملابس الطويلة…سيشحن رأس موحماد الصغير بما كان يظنه زميله موحماد صوابا وهو الذي ابتلعته أفكار الوهابية. سيغير موحماد الصغير ملابسه، سيرافقه موحماد الكبير إلى سوق الملابس ويقتني له فوقيات من النوع الأفغاني وطاقية يلبسها في أوقات الراحة.
كان ما يتقاضاه الطفل موحماد كأجر بسيطا جدا، عندما اقترب عيد الأضحى سيقرر أن يتوجه نحو الدوار، رافق أبناء الدوار في الحافلة بعد أن قضى سنة كاملة في المدينة العملاقة، يبدو مختلفا عنهم في كل شيء: فوقية أفغانية وطاقية ولا يتوقف عن نهيهم عن سماع الأغاني وتحريم كل شيء.
سيلاحظ والد موحماد التغيير الكبير الذي لحق ابنه، مرحه السابق وإقباله على الضحك والحياة وسماع أغاني الروايس، صار جهوما، طريقة لباسه تغيرت كلية عما كان قبل المغادرة. على مائدة الطعام، وضعت الأم طاجين يوم السوق اللذيذ والذي حصل عليه الأب من عرق جبينه، قال الأب باسم الله، أر تشتام…اشرعوا في الأكل. مد الجميع أيديهم نحو الطاجين إلا موحماد، لقمة ثم ثانية من طرف الجميع إلا هو، سأله ابوه:
– makh ur a tcttat zud aytmak, mad d fllak igguran ?
– لماذا لا تتناول الطعام مثل إخوتك، ماذا دهاك؟
– hati a yaba tirmt ad illa gis kra
– هذا الطعام الذي نتناوله فيه نظر يا ابي
– zud mit aw, is tthnna luqt?
– أي قول هذا؟
– hati ihRm lkhir ad
– إنه حرام
– hayk awddi hayk, ar kkatgh hra ti d ur iwigh, tnnit iyi ihRm, mad t awddi isshRmn?
– متعجبا، لقد بذلت من أجله جهدا كبيرا وهو من عرق جبيني، من يحرمه
– awa nnan l3ulama ihRm ad tzznzat ar tssaght gh ighylla d isrdan
– إن تجارة الدواب حرام
– yak awa, ghad ad agh d tiwit gh kaZa, fSahtk awddi a muhmmad, awa hati tawwuri ann ad s
kwn d ssnkrgh, nttat ad s mqqurn ighRaD nnk, mad ak innan ghad?
– عجبا لكم، هذا ما جنيته من الدار البيضاء، طوبى لك يا ابني محمد، ألا تعلم أن تلك الحرفة هي التي كبرتم بها، وبفضل ما أجنيه منها كبر جسمك وصرت على الهيئة التي أنت عليها الآن، من صاحب هذا الهراء؟
– l3ulama
– إنه قول العلماء
– awa ftu cc d imnsi dar l3ulama, nkr gigi
– مقهقها، ما عليك إلا أن تقصد علماءك لتأكل طعامهم الحلال مادام ما أوفره حراما

الحكاية الأولى

✍️الطيب أمكرود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق