أزمة الديمقراطية .. فى عالمنا العربى

ترى بعض الأحزاب والحركات والجماعات فى عالمنا العربى أن
” الديمقراطية ” مجرد صندوق انتخاب وفقط !!
وبمجرد فوزها بالانتخابات ووصولها للسلطة ” التشريعية أو التنفيذية ” تزعم أن من حقها فعل كل شئ بحجة أنها جاءت بالصندوق !!
وهذا ما حدث عمليا فى مصر بعد 2011م :
فعندما حصل حزب الحرية والعدالة – الذراع السياسى لجماعة الإخوان – على الأغلبية البرلمانية فوجئنا بالسادة الأعضاء الذين أقسموا على احترام الدستور :
١- يتقدمون بمشاريع قوانين تخالف الدستور وحقوق الإنسان .. بدعوى أنهم الأغلبية ومن حقهم سن القوانين !!
٢- يتدخلون فى أعمال السلطة القضائية .. وطالب أحدهم صوت وصورة بالجلسة العامة بتشكيل لجنة برلمانية للإشراف على أعمال ” النيابة العامة ” !!
٣- يتقدمون بمشروع قانون لحل المحكمة الدستورية العليا وجعل أحكامها غير ملزمة !!
٤- يتقدمون بمشروع قانون لتعديل قانون السلطة القضائية وتغيير سن الإحالة للمعاش للقضاة ؛ ليتمكنوا من عزل 3500 من كبار قضاة مصر بجرة قلم !!
٥- يطالبون بإنشاء محاكم استثنائية لمحاكمة معارضيهم بعيدا عن القضاء وضمانات العدالة !!
٦- يهددون الإعلاميين ويطالبون بحضورهم للبرلمان لمحاسبتهم !!
٧- سن قانون ” العزل السياسى ” بالمخالفة للدستور ولحقوق الإنسان .

ولولا لطف الله بمصر وحل البرلمان بواسطة المحكمة الدستورية العليا فى يونيو 2012م ثم قيام ثورة الشعب المصرى فى 30-6-2013م لدخلت مصر فى دوامة لا يعلمها إلا الله .
فهل رؤية هذه الأحزاب والحركات والجماعات صحيحة ؟!
نقول :
إن هذه الرؤية حول الديمقراطية رؤية خاطئة ومنقوصة ومشوهة وتؤدى لكوارث سياسية واجتماعية واقتصادية كثيرة .
لأن ” الديمقراطية ” الحقيقية نظام متكامل وأسلوب حياة وليس مجرد صندوق انتخابات فقط .
وإلا فإن الحزب النازى بقيادة ” هتلر ” قد حصل على أغلبية الأصوات فى انتخابات ١٩٣٢م .. وأصبح حزب الأغلبية فى البرلمان الألمانى .. وتم تعيين هتلر مستشارا لألمانيا فى ١٩٣٣م بناء على حصول حزبه على الأغلبية فى الانتخابات البرلمانية .. ولكن العالم أجمع يعرف ماذا فعل هتلر وحزبه بعد ذلك ؟!
” قام بإلغاء الأحزاب والنقابات .. وحكم ألمانيا حكما استبداديا بوليسيا .. معتديا على الحريات العامة .. ونكل بالمعارضين ”
لذلك نتسأل :
هل وصول ” هتلر ” وحزبه للحكم بانتخابات ديمقراطية حرة .. يعطيه المبرر لما فعله بالشعب الألمانى وبأوروبا من جرائم وخطايا وكوارث .. وتسببه فى حرب كونية أدت لمقتل ما يقرب من ٥٠ مليون إنسان ؟!
كل العقلاء سيقولون :
لا .. فالمفترض على من جاء للحكم بالديمقراطية .. أن يحترم قواعد الديمقراطية فى ممارسة الحكم .
وإلا فإنه يعتبر الديمقراطية مجرد
” سلما ” يمكنه من الوصول للحكم فقط !!
ويرى أن من حقه بعد وصوله للحكم .. أن يخرق الحريات والحقوق بدعوى أنه جاء بالصندوق !!
وأنه لا يجوز أو يحق للشعب الثورة عليه مهما رأى الدولة تنهار ؛ وإلا يكون الشعب ضد الديمقراطية !!

إن التشخيص السليم لما يحدث فى عالمنا العربى :
هو أن بعض الأحزاب والحركات والجماعات لا تؤمن فكريا بحقيقة الديمقراطية .. ولكنها بمبدأ ميكيافيللى نفعى تدعى أنها ديمقراطية .. وتدخل عالم السياسة والانتخابات بهذه الرؤية الفكرية المشوهة .. وتحصل على أغلبية فى البرلمان مستغلة حب الناس الفطرى للدين .. وعندها تظهر أفكارها الحقيقية :
١- مغالبة لا مشاركة .. حتى وصل الحال بأعضائها إلى ضرب المعارضين والمعارضات ومنعهم من دخول البرلمان !!
٢- ترى أن مصلحة الجماعة والحركة والحزب مقدمة على مصلحة الوطن .
٣- ترى أن من يعارضها فهو عميل .. كاره للدين .. ضد الديمقراطية !!
وأنها إما أن تحكم كيفما ترى وإما أن تحرق الوطن وتدخل فى صدام مسلح مع الجيش والشرطة والشعب بمؤسساته المختلفة .

ومهما حاول بعضهم – فى البداية – أن يظهروا إيمانهم بالديمقراطية والسلمية فإن هذا لمغازلة الغرب .. لكن الطبع يغلب التطبع .. ولابد أن يخرج العنف اللفظي والعملى .. لأن الفكرة الأساسية عند هذه الجماعات هى التصادم مع الحكومات ومع الأنظمة والجيوش العربية .. للوصول للحكم .. وعدم الاعتراف الحقيقى بالديمقراطية .. هذا ما تربوا عليه .. وهذا غذاؤهم الفكرى .
وفى الختام نستشهد بكلمات مضيئة لأحد فلاسفة الديمقراطية فى عالمنا العربى الأستاذ خالد محمد خالد ( 1920-1996م ) والذى يعرف الديمقراطية بأنها :
” سلوك ومنهاج ينتظمان شئون الحياة كلها ومصالح الناس جميعا ١)
وأنها الوسيلة لتكريم الإنسان وصيانة حقوقه فى الحكم وفى التشريع وفى المجتمع وفى الحياة .. كل الحياة.
إنها ليست كائنا فرضيا ولا تعبيرا نظريا , إنها نظام وسلوك وخلق ٢)
ومن ضرورات الديمقراطية : ” فى السياسة تحرير من العدوان والخوف , وفى الاقتصاد تحرير من الاستغلال والحاجة , وفى العقل تحرير من الجهل والكبت ” ٣)
والديمقراطية التى تتجاهل حقوق الإنسان الاقتصادية تفقد ذاتها ٤)
” الديمقراطية – يا سادة – هى
اختيار حر نزيه لرئيس الدولة , إطلاق تعدد الأحزاب بدون وصاية أو تدخل من الدولة , الشعب مصدر السلطات , الفصل بين السلطات حتى لا تفرط إحداها على السلطات الأخرى ولا تطغى , معارضة صحيحة قوية تستطيع الاقتراع على إقالة الحكومة إذا حادت عن الطريق , حرية الصحافة وحق المواطنين فيها إنشاء وامتلاكا وتحريرا , فاعلية الكلمة .. إذ ليس المهم أن يتمتع الناس بحرية القول .. بل أن يتمتع القول – ملفوظا ومسطورا – بالفاعلية التى تجعله مصدقا ومحققا , الحرية السابغة للعقيدة وللفكر وللرأى ” ه)

وحتى نوضح التدليس التى تمارسه هذه الحركات عبر وسائل إعلامها .. دعنا نضرب هذا المثال :
شاب تقدم لأحد الوظائف التى تحتاج ” اللباقة ، مهارات التواصل مع فريق العمل والجمهور ، التمكن والخبرة فى مجال تخصصه ، حسن السير والسمعة ” .
وبناء على ذلك نجح فى المسابقة وتم اختياره لشغل الوظيفة .
ولكن بعد تسلمه الوظيفة .. أخذ يتعامل مع الجمهور بحدة ويفتعل المشكلات مع فريق العمل ويخالف القواعد المنظمة للعمل .. مما أدى لتعطل العمل بالشركة.
فتدخل رئيس الشركة بالنصح والتوجيه له أكثر من مرة ولكن بلا جدوى ؛ فتم فصله من العمل .
هل من حق هذا الشاب أن يعترض على القرار .. بحجة أنه جاء نتيجة مسابقة حرة نزيهة ؟!
هذا هو حال هذه الأحزاب والحركات والجماعات فى عالمنا العربى .. فقد وصلت للحكم بالفعل بصندوق الانتخابات .. ولكنها بعد تمكنها من السلطة .. خرجت على قواعد الديمقراطية وحقوق الإنسان .
ولم يستجيبوا للنصح وللمعارضة .
وعندما ثار الشعب عليهم .. وجدناهم يصيحون قائلين :
لا .. ليس من حق أحد الثورة علينا .. فقد أتينا بالديمقراطية .. هذا خرق للديمقراطية !!

الهوامش :
١- أنظر ” الديمقراطية أبدا ” خالد محمد خالد ط٤ سنة ١٩٧٤م دار الكتاب العربى بيروت .. وقد ظهرت الطبعة الأولى فى ١٩٥٣م .. ص ١٨
٢- المرجع السابق ٣٥
٣- المرجع السابق ٥٦
٤- المرجع السابق ١١٣
٥- أنظر ” لو شهدت حوارهم لقلت ” خالد محمد خالد ط١ سنة ١٩٩٤م دار المقطم للنشر والتوزيع ص٥٣

بواسطة
محمد حسينى الحلفاوى - مصر
المصدر
مقال الرأي يُنشر في الجريدة ويعكس في الأساس رأي الكاتب حول الموضوع الذي كتبه ولا يعبر بالضرورة عن صوت المواطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق